كما أن الأزمة الحالية ــ التي تضرب النظرية الرأسمالية الربوية في مقتل ــ أعادت إلى الواجهة من جديد الحديث عن النظام الاقتصادي الإسلامي كبديل؛ لكونه أكثر مثالية وأماناً واستقراراً.
وكان علماء الاقتصاد الوضعي قد تنبؤوا من قبل بانهيار النظام الاقتصادي الاشتراكي؛ لأنه يقوم على مفاهيم ومبادئ تتعارض مع فطرة الإنسان وسجيته، ومع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، كما تنبأ العديد من رواد النظام الاقتصادي الرأسمالي بانهياره؛ لأنه يقوم على مفاهيم ومبادئ تتعارض مع سنن الله سبحانه وتعالى، ومع القيم والأخلاق، كما أنه يقوم على الاحتكار والفوائد الربوية (نظام فوائد القروض والائتمان) والتي يرونها أشد الشرور على وجه الأرض، وتقود إلى عبادة المال وسيطرة أصحاب القروض (المقرضون) على المقترضين، وتسلب حرياتهم وأعمالهم وديارهم وتسبب آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة.
وإن تشخيص أسباب الأزمة هو مفتاح العلاج السليم، فتصور الشيء تصوراً سليماً ودقيقاً ومحايداً وموضوعياً هو جزء من تقديم الحل السليم الموضوعي الرصين.
يقول علماء الاقتصاد العالمي، ومنهم الذين حصلوا على جائزة نوبل في الاقتصاد مثل «موريس آليه»: «إن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويباً عاجلاً».
كما تنبأ العديد من رجال الاقتصاد الثقات أن النظام الاقتصادي العالمي الجديد يقوم على مبادئ تقود إلى إفلاسه.
ومما ذكروه من أسباب هذه الأزمة على حد آرائهم ما يلي:
أولاً: انتشار الفساد الأخلاقي الاقتصادي مثل: الاستغلال، والكذب، والشائعات المغرضة، والغش، والتدليس، والاحتكار، والمعاملات الوهمية.. وهذه الموبقات تؤدي إلى الظلم، أي ظلم من أصحاب الأموال، من الأغنياء والدائنين للفقراء والمساكين والمدينين، وهذا سوف يقود إلى تذمر المظلومين عندما لا يستطيعون تحمل الظلم، وإلى تذمر المدينين وحدوث الثورات الاجتماعية عند عدم سداد ديونهم وقروضهم.
ثانياً: من أسباب الأزمة كذلك أن أصبحت المادة هي الطغيان، وسلاح الطغاة والمسيطرة على السياسة واتخاذ القرارات السيادية في العالم وأصبح المال هو معبود الماديين.
ثالثاً: يقوم النظام المصرفي الربوي على نظام الفائدة أخذاًً وعطاءً ويعمل في إطار منظومة تجارة الديون شراءً وبيعاً ووساطة، وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشركات، والمستفيد منها يتمثل في البنوك والمصارف والوسطاء الماليين.
والعبء والظلم يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك، أو لأغراض الإنتاج ويرى بعض الاقتصاديين أنه لا تتحقق التنمية الحقيقية والاستخدام الرشيد لعوامل الإنتاج إلا إذا كان سعر الفائدة صفراً، وهذا ما قاله «آدم سميث» أبو الاقتصاديين (على حد رأيهم) ويرون أن البديل هو نظام المشاركة في الربح والخسارة؛ لأنه يحقق الاستقرار والأمن، وقالوا كذلك: إن نظام الفائدة يقود إلى تركز الأموال في يد فئة قليلة سوف تسيطر على الثروة.
رابعاً: يقوم النظام المالي والمصرفي التقليدي على نظام جدولة الديون بسعر فائدة أعلى، أو استبدال قرض واجب السداد بقرض جديد، وبسعر فائدة مرتفع كما كان المرابون يقولون في الجاهلية: «أتقضي أم تُربي؟»، وهذا يلقي أعباءً إضافية على المقترض المدين الذي عجز عن دفع القرض الأول بسبب سعر الفائدة الأعلى.
خامساً: يقوم النظام المالي العالمي ونظام الأسواق المالية على نظام المشتقات المالية والتي تعتمد اعتماداً أساسياً على معاملات وهمية ورقية شكلية تقوم على الاحتمالات، ولا يترتب عليها أي مبادلات فعلية للسلع والخدمات، فهي عينها المقامرات والمراهنات التي تقوم على الحظ والمقامرة، والأدهى والأمرّ أن معظمها يقوم على ائتمانات من البنوك في شكل قروض، وعندما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ينهار كل شيء وتحدث الأزمة المالية.
سادساً: من الأسباب كذلك سوء سلوكيات مؤسسات الوساطة المالية والتي تقوم على إغراء الراغبين (المحتاجين) في القروض، والتدليس عليهم، وإغرائهم والغَرَر والجهالة بالحصول على القروض من المؤسسات المالية، ويطلبون عمولات عالية في حال وجودأخطار، والذي يتحمل تبعة ذلك كله هو المقترض المدين الذي لا حول له ولا قوة، وهذا ما حدث فعلاً ويقود في النهاية إلى الأزمة.
سابعاً: يعتبر التوسع والإفراط في تطبيق نظام بطاقات الائتمان بدون رصيد (السحب على المكشوف) والتي تحمِّل صاحبها تكاليف عالية، من أسباب الأزمة، وعندما يعجز صاحب البطاقة عن سداد ما عليه من مديونية، يزاد عليه في سعر الفائدة، وهكذا حتى يتم الحجز عليه أو رهن سيارته أو منزله، وهذا ما حدث فعلاً للعديد من حاملي هذه البطاقات، فقادتهم إلى خلل في ميزانية البيت، وكانت سبباً في أزمة في بعض البنوك الربوية.
حتى هذه المرحلة من إرهاصات أزمة النظام المالي العالمي، والذي أصيب بجلطة خطيرة ونزيف داخلي في مخه أدت إلى شلل في أعضاء الجسد، وتجمد شرايين النشاط الاقتصادي.. ومن آثار ذلك السيئة ما يلى:
أولاً: الذعر، والخوف، والقلق، والتخبط الذي أصاب الناس جميعاً، وأصبحت هذه الأزمة مثل سرطان الدم الذي يسري في الحياة الاقتصادية.
ثانياً: إفلاس بعض البنوك والمصارف والمؤسسات المالية بسبب نقص السيولة وزيادة مسحوبات المودعين، واضطرار بعض الحكومات من خلال البنوك المركزية إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البقية الباقية حتى لا يحدث انهيار تام للحياة الاقتصادية، وتقع الدولة في دائرة الإفلاس.
ثالثاً: إفلاس بعض الشركات والتي كانت تعتمد على صيغة التمويل بنظام القروض بفوائد، أو توقف بعض خطوطها الإنتاجية، كما بدأت بعض البنوك بتنفيذ الرهونات والضمانات التي معها و

























